مركز الثريا للدراسات
  الرئيسية من نحن فريق العمل الأعضاء مجلة الثريا مذكرة التفاهم معرض الصور اتصل بنا  
 
   البرامج
   الدراسات
   المشاريع
   التدريب
   الاستشارات
   المؤتمرات
   الشركاء
   الثريا في الاعلام
   مقالات المدير العام
 
   مقالات المدير العام   -   هل هناك لبننه جديدة ؟؟

هل هناك لبننه جديدة ؟؟ 


     يبدو أن أكثر شيء يقلق الشارع العربي على مختلف توجهاته الآن، وبعد أن أوجعته الصدمة لما آلت إليه الأمور في بغداد ، هي حالة الفوضى السياسية والأمنية التي يعيشها العراق، والتي أفرزتها الأحداث الأخيرة والمتمثلة بالانهيار السريع لنظام الحكم في العراق، وما نجم عنه من فراغ سياسي وامني كبير ، وعجز قوات التحالف الغازية عن ملء الفراغ السياسي والأمني، نتيجة لفقدان هذه القوات أي رؤية واضحة اتجاه التعامل مع هذه الحالة، وغياب العقلية السياسية التي تدير العمل العسكري وتفكر في ما يمكن أن يرافقه من تطورات على ارض الواقع .

     ويعود التخوف والقلق العربي إلى احتمالية أن نرى عملية لبننه جديدة للعراق، تمارس على أرضه وتمزق أواصره، وتحوله إلى مجموعة من دويلات وتنظيمات سياسية وعسكرية ، وهذا التخوف من المخطط الأمريكي الصهيوني له جذوره التاريخية، في تجربتنا في لبنان أبان الحرب الأهلية ، وأكثر ما يزيد من هذا التخوف أن البيئة العراقية بما تحتويه من تعددية دينية واثنيه، ملائمة لمثل هذه المخططات الصهيونية، بالإضافة للتركيبة الديموغرافية للسكان، وغياب السلطة المركزية، وتناحر القوى المعارضة، والصدمة النفسية والسياسية التي يعيشها العالم العربي بالإضافة إلى حالة الانهيار الرسمي العربي، وهذه كلها عوامل تقود إلى استحضار تجربة الحرب الأهلية في لبنان، إذا لم يتم ضبطها بالسرعة الممكنة، وإذا دخل العراق في حالة اللبننة الجديدة فإنها ستقطع أواصره وأطرافه، وستدخل العرب جميعا في نفق مظلم سيكون طويل الأمد.

     ويعد مصدر القلق العربي مبررا لعاملين مهمين ، أولهما ، طبيعة الإدارة الأمريكية للاحتلال والتي أهم ميزاتها، أنها تفكر بطريقة المحتل للأرض، والساعي لنهب الخيرات ، والرامي لتحقيق أهدافه، دون وجود رؤية سياسية واضحة ينطلق منها ، وغياب العقلية الإستراتيجية التي تخطط بشكل سياسي متوازن يبين أهدافها الاستعمارية والأهداف المحلية للشعب، والمتمثلة بالأمن والاطمئنان النسبي ، وهناك من يرى أن سر هذا التخبط الأمريكي في العراق مرده إلى الخلافات السياسية الدائرة بين دوائره الأمنية والسياسية من جهة وغياب المعرفة والتحليل الجيد المبني على القراءة الواقعية للأحداث والتعامل معها بروح الواقعية السياسية من جهة أخرى، أما العامل الأخر وهو الأخطر فهو متمثل بالغياب الرسمي العربي عن الأحداث الجارية في العراق وعدم اتخاذ مواقف واضحة ومشتركة تؤدي إلى اتخاذ إجراءات واقعية على ارض الواقع تسهم في رسم مستقبل العراق، وهذا الغياب يفسر حالة العجز العربي والذي يتجاوز حالات العجز السياسي والاقتصادي إلى العجز الذي يكمن في أعماق النظام السياسي العربي في تاريخه وحضارته ومجتمعه ، وبدأ يسري في كل أطراف المجتمع العربي كأفراد وجماعات ، ويتبلور في سلوكهم، وينتقل من جيل إلى آخر، وقد اخذ العجز العربي إشكالا عديدة تميزت بصفتين مترابطتين هما اللاعقلانية والعجز، اللاعقلانية في التدبير والممارسة والتحليل والتنظير والتنظيم، والعجز عن الوقوف في وجه التحديات والتواصل مع الأهداف التي يرنو إليها، وحالة العجز واللاعقلانية العربية كانت تتمثل في تراجعاته المستمرة، وانكساراته المتكررة، وانهياره الداخلي .

   وأمام تكامل هذين العاملين، تبدو التخوفات العربية من لبننة جديدة للعراق، تدخله في نفق مظلم تؤثر على مستقبله ومستقبل الأمة العربية، تخوفات مشروعة ومبررة لدى كل عربي غيور على العراق وعروبته، ولكن الشعور بالخوف وحده غير كافي لحماية العراق، بل يجب الانطلاق من أزمة ومأساة العراق، إلى البحث عن حالة من الوعي السياسي للفرد وللمجتمع العربي، مع اعترافنا أن حالة الوعي الحقيقية ، عملية ليست سهلة ، بل أنها عملية صعبة ومعقدة، وحالة تتطلب نوعا جديدا من القراءة للأحداث، القراءة التي تتجاوز حدود المطالعة التقليدية، القراءة التي يرافقها لغة حوار جديدة واضحة تكشف الواقع بدل أن تحجبه.

    إن الخروج من حالة الفوضى التي يعيشها مجتمعنا العربي بجميع أطيافه، تحتاج إلى رؤية بعيدة المدى، وتحتاج إلى نوع جديد من الفكر والممارسة المؤسسية، التي لا تنتهي بانتهاء الأفراد بل تستمر، وهذا يحتاج إلى عملية تغيير حقيقية تنبع من ثورة عميقة ، وهي ثورة النفس الطويل، ودون وجود ثورية للنفس الطويل والتخطيط الاستراتيجي، لن يحدث تغيير حقيقي بل يبقى مجرد طفرات مؤقتة ، وتغيرات آنية ما تلبث أن تزول. آخر الكلام . أي محاولة لإدخال العراق في حالة لبننة جديدة ، سوف تؤدي إلى طمس الحلم العربي إلى مئات السنين، وهو بالحقيقة طمس لهوية وحضارة الأمة العربية، وهذا إعلان لحالة عدم الاستقرار في العالم العربي والإسلامي ولجملة من التغيرات والتحولات الحضارية والثقافية والسياسية .

 صحيفة الراي

 

   
جميع الحقوق محفوظة © 2009 لمركز الثريا للدراسات , المواد المنشورة غير قابلة لإعادة النشر والتوزيع والصياغة