مركز الثريا للدراسات
  الرئيسية من نحن فريق العمل الأعضاء مجلة الثريا مذكرة التفاهم معرض الصور اتصل بنا  
 
   البرامج
   الدراسات
   المشاريع
   التدريب
   الاستشارات
   المؤتمرات
   الشركاء
   الثريا في الاعلام
   مقالات المدير العام
 
   مقالات المدير العام   -   الإعـلام والهويـة الـوطنيـة ارتبـاك الدور والسياسـة

الإعـلام والهويـة الـوطنيـة ارتبـاك الدور والسياسـة 

     تعد وسائل الإعلام المختلفة إحدى الوسائل الهامة التي تلجأ إليها المجتمعات والدول للحفاظ على نفسها وهويتها وحضارتها, خاصة في ظل تزايد انتشارها وقدرتها على التأثير على حياة المجتمعات, وصياغة معارف الأفراد وآرائهم وتشكيل وعيهم, وتحديد سلوكياتهم, لما تملكه من هيمنة وقوة فهي لا تقدم المعلومة وتقنع الناس بها بل تدخل في تشكيل اتجاهاتهم وممارساتها نحوها, وتحديد الأولويات بالنسبة للمسائل المطروحة ويمكنها أن تعلمهم وتساعدهم على فهم الأمور واتخاذ مواقفهم أو تظللهم وتبلل أفكارهم .

    فالإعلام عملية اجتماعية, وهي نتاج لبناء اجتماعي اقتصادي في مرحلة ما يهدف إلى إرسال مضامين سياسية واجتماعية محددة, تأتي انعكاسا لظروف البناء الاجتماعي في المجتمع, وهي أيضا المحرك والمعبر عن مقومات النشاط الاجتماعي الذي يعلو بالإنسان إلى المطامح الحضرية, وهو المنبع المشترك الذي ينهل منه الإنسان الآراء والأفكار, الرابط بين الأفراد والموصي إليهم بشعور الانتساب إلى مجتمع واحد, والوسيلة لتحويل الأفكار إلى أعمال والأداة التي تعكس الأحاسيس والحاجيات من أبطئها إلى أعلى درجات الكمال. وقد عمل الإعلام الأردني في مراحله التاريخية السياسية كمؤسسة رسمية تقوم على نقل رسالة الدولة, وبتوجيه من الحكومات برسم مفاهيم الدولة الواحدة, من خلال العمل على دمج جميع المواطنين بعاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم وخلق حالة من النظام الاجتماعي يجمع الجميع حوله, وإيجاد هوية وطنية أردنية موحدة تجمع الجميع حولها وتميز الدولة الأردنية, إلا أن دور الإعلام الأردني في بلورة الهوية الوطنية الأردنية بقي في كثير من المراحل التاريخية دورا مرتبكا وفيه شيء من الغموض لأنه إعلام مرتبط بالسياسات الحكومية, وليس مرتبطا بالمعايير الوطنية للدولة الأردنية, فبقي يقوم بدور توجيهي وتنفيذي للسياسات الحكومية أكثر منه دور وطني توعوي, لذلك بقي يقوم بدور الأداة لنقل الآراء والمواقف التي ترسمها الحكومة دون أن يكون له دور في بلورة وعي الأفراد والجماهير, وهذا مردّه إلى السياسات الحكومية المرتبكة وغير المحسومة تجاه قضية الهوية الوطنية الأردنية, وغير قادرة على بلورتها بشكل واضح .

     وقد يكون ترأس الحكومات الأردنية في بداية تأسيس الدولة الأردنية رؤساء من أصول عربية ليست شرق أردنية سبباً رئيسياً, وبالتالي كان لديهم ميل أكثر لعدم بلورة هوية أردنية محلية, تعكس خصوصية البنية الأردنية المحلية, بل والعمل على بلورة هوية عربية للدولة الأردنية يكون فيها البعد القومي أكثر ظهورا ووضوحا من البعد الوطني. إن غياب الدور الوطني تجاه الهوية الوطنية الأردنية للإعلام الأردني ادخله في إخفاقات عديدة جعلته مشلول الحركة تجاه الوصلة الوطنية للدولة وغير قادر على التعاطي مع الأحداث والمواقف على الساحة الأردنية بشكل مسؤول ووطني, مما كان يضع الأردن في موقف محرج ينتابه سوء فهم, وأبقى المواطن الأردني على الدوام مسكونا بهمٍّ وطني كبير يشكله الإعلام الخارجي, الذي كان يأخذ من الدولة الأردنية كيانا وهوية مادة إعلامية لبث السموم .

   وقد ظهر ضعف دور الإعلام الأردني في بلورة الهوية الوطنية من خلال شكوى عدد كبير من المثقفين والباحثين الأردنيين من ضعفه في إبراز هوية الدولة الوطنية بشكل كاف يسهم مساهمة فعالة في تعميق وإبراز دلالات الانتماء والاعتزاز الوطني وإبراز الوجه الحقيقي للهوية الأردنية بما تحمله من ارث حضاري وتاريخي واجتماعي يتجاوز كل المفاهيم الضيقة التي يحاول البعض إثارتها, ليعبر بذلك عن خصوصية الهوية الوطنية الأردنية التي تميز الكيان الأردني بكل ما يحمله من مكونات اجتماعية وسياسية, مقارنة مع أجهزة الإعلام العربية الأخرى والتي تلعب دورا مهما في تعميق الهوية الوطنية لدولهم. وإذا ما قورن الإعلام الأردني مع أجهزة الإعلام في العديد من الدول العربية فإن هناك فرقاً بينهما, فأجهزة الإعلام العربية غالباً ما تكون معبرة أكثر عن خصوصية مجتمعها القطري, دون المساس بوجهها وتوجهها القومي, بل تعمل على نشر رسالة مجتمعها الاجتماعية والسياسية داخل مجتمعاً من خلال إبراز هويتها الوطنية والتي تميزها عن هويتها القومية, وبالتالي على غرس قيم الانتماء والاعتزاز الوطني فيهم وفي أوساط المجتمع العربي من خلال تعريف المواطن العربي بخصوصية دولتهم وتاريخها وحضارتها, خاصة بعد أن وعي المجتمع لأهمية أجهزة الإعلام في تشكيل الوعي الوطني لدى الأفراد وبناء الشخصية الوطنية من خلال ربط المواطن بتاريخه وارثه الحضاري, وإبراز هويته الوطنية بشكل متميز تجعله دوما معتزا ومفتخرا بها .

    أما في أجهزة الإعلام الأردنية وخاصة الأجهزة المرئية فغالباً ما كانت تفتقد للخصوصية الأردنية التي تعبر عن الهوية الوطنية, فغالبية البرامج تفتقد للطابع الأردني وما يحمله من الخصوصية والتي يفترض أن تكون حاضرة دائما في كل جوانب العمل الإعلامي الأردني لأنه يتجاوز ذلك إلى العمل الإعلامي الوطني, باعتباره جزءا هاما من الأجزاء المكونة للتنشئة الوطنية الأردنية بشقيها السياسي والاجتماعي, فأحيانا لولا الشعار الذي تحمله شاشة التلفزيون الأردني خاصة في نشرات الأخبار لا نعرف أي محطة نشاهد. فمنذ تأسيس إمارة شرق الأردن, بدأت الدولة الأردنية بالنشوء بعد أن تجزأت الدول العربية, بدأ العمل على صياغة الهوية الوطنية وتشكيلها وكانت أهم الآليات المتبعة في تكوينها المؤسسة العسكرية والقانونية والعشائرية النظام الهاشمي والتي شكلت الإطار الوطني العام الذي بدأت تنمو به الهوية الوطنية, وقد تمكنت هذه المؤسسات من استيعاب الأفراد والجماعات والقبائل في شرق الأردن وإعادة تنظيمها وفق رؤية جديدة على حساب الأشكال والبنى التقليدية التي كانت سائدة, وقد تميزت هذه الهوية الوطنية الناشئة بمجموعة من الصور والتغيرات والممارسات والتقاليد والعادات والرموز ذات الدلالات .

    فالهوية الوطنية الأردنية هي نتاج لحراك اجتماعي ثقافي تاريخي في الفضاء الوطني كله, من خلال تنمية المكونات التاريخية والاجتماعية ذات الإرث الحضاري, وتفاعل الخصوصيات مع بعضها, والتواصل التاريخي الدائم لتشكيل الهوية التي تمثل نتاج المجتمع بل خصوصياته وتنوعاته المعرفية والتاريخية لذلك بقيت تشكل محورا أساسيا في تاريخ الدولة الأردنية اجتماعيا وسياسيا, لأنها تعكس نمط الحياة التي يعيشها الناس استنادا إلى أنظمتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقيم والتقاليد والأعراف والمعارف والعادات التي تحدد أنماط حياتهم وطق تفاعلهم الاجتماعي وكيفية التعاطي مع البيئة المحلية الصحراوية وهي توجه مشاعرهم وأفكارهم وآمالهم وتمنحهم الشعور بالانتماء وتهيئ لهم سبل التكيف الاجتماعي .

    فالحكومات الأردنية وما تملكه من مؤسسات لم يكن لديها توجه واضح وحقيقي لإبراز الهوية الوطنية الأردنية ولم تقم بتوجيه أجهزة الإعلام نحو بلورتها وترسيخها بشكل كاف, ولان هذه السياسة مرتبطة برئيس الحكومة أكثر, فالمؤسسة العسكرية والعشائرية والنظام الهاشمي والدولة هم العناصر الأساسية في بناء الهوية الوطنية, وهؤلاء كانوا بعيدا عن قبضة الحكومات وسياساتها. وفي المراحل التاريخية التي كان يترأس الحكومة أشخاص مؤمنون بضرورة بلورة هوية وطنية, كان يكون هناك تحالف مشترك لبنائها, ففي مرحلة الخمسينات والستينات من عمر الدولة الأردنية وعندما كان المرحومان هزاع المجالي ووصفي التل يترأسان الحكومة الأردنية, شهدت أجهزة الإعلام الأردنية توجيهها نحو القيام بترسيخ الهوية الوطنية من خلال توظيف البرامج الإذاعية والتلفزيونية لإبرازها, وشهدت الأغنية الأردنية تحولا جذريا في رسالتها.

    فقد تميزت الأغنية الأردنية التي تتبناها أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة, بقدرتها على تجسيد الهوية الوطنية, من خلال إحياء معالم التراث الأردني وإظهار تميز الفلكلور الأردني, والذي يميز المجتمع انطلاقا من البيئة الأردنية, وتجسيدا لروح الأردن والذي يجمع الناس على حب الأرض ومفهوم المواطنة الصادقة, فمعظم الأغاني الأردنية في تلك المرحلة حملت رسالة سياسية واجتماعية الهدف منها بلورة الهوية الشخصية الأردنية, لذلك شكلت انعكاسا لقضايا المجتمع الأردني ومشاكله وطموحه وساهمت في نشر الوعي الوطني والاجتماعي لدى المواطن الأردني وأخذت الأغنية الوطنية أسلوب الوصف من خلال تركيزها على طبيعة الوطن وقدرته ومؤسساته وتاريخه وتمهيد بطولاته, وقد تميزت الأغنية الأردنية ببعدها الوطني على حساب بعدها العاطفي, فالأغنية الوطنية هي تعبير حقيقي عن طبيعة الشخصية الأردنية الجادة, فهي لا تميل إلى الميوعة والانفلات الشخصي, وهذا يعكس تصرفات الشعب الأردني, لذلك فان الأغنية الأردنية بحكم مزاجها وارتباطها بقيم الصحراء البدوية لم تستطع مواكبة الأغنية العاطفية, وحتى الآن بقيت الأغنية الوطنية متقدمة على الأغنية العاطفية, خاصة الأغنية الوطنية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية أو بالأرض الأردنية. كما سعت أجهزة الإعلام الأردنية في فترات تاريخية محددة إلى إبراز الهوية الوطنية من خلال المسلسلات والبرامج التلفزيونية وإظهار اللباس التقليدي والزي الوطني ولغة التخاطب وتعميق اللهجات الأردنية, أو من خلال مؤشرات ذات دلالات اجتماعية وسياسية. إلا أن المراحل التاريخية التي عملت فيها أجهزة الإعلام الأردنية في هذا الاتجاه بشكل مباشر وقوي محدودة, لأنه بقي إعلاما حكوميا يمثل حكومة ذات مهمة محددة, ليس لديه برنامج وطني يؤسس للدولة الأردنية ويعمق الانتماء لها, لذلك بقي الإعلام بوقا للسياسات الحكومية من جهة بالإضافة إلى وجود بعض الأشخاص القائمين على أجهزة الإعلام ليس في أجندتهم وأولوياتهم بلورة الهوية الوطنية للدولة الأردنية, خوفا على مصالحهم وتعارضه مع قناعاتهم من جهة أخرى, وهذا ما كان يثير مخاوفا من أن تتحول أجهزتنا الإعلامية إلى مؤسسات لا ترتدي هويتها إلا في نشرات الأخبار والمناسبات الوطنية فقط, وهنا تصبح كالعروس التي لا ترتدي زينتها إلا في ليلة زفافها, وبعد أن يذهب الضيوف والمدعوون تخلع كامل زينتها. أن الدولة الأردنية الحديثة وهي تدخل عهدها الجديد تضع الأردن الكيان والهوية والمصالح العامة في قمة أولوياتها وهذا يحتاج إلى إعلام وطني مرتبط بمصالح الدولة وليس الحكومة, إعلام وطني يدعم الموقف الوطني داخليا وخارجيا, لان الأردن في مثل هذه الظروف يحتاج إلى الإعلام كسلاح مهم يجسد المواقف الرسمية, ويدعمها بتحرك شعبي منظم ومؤسس, بهدف خلق حالة من الإجماع الوطني, وهذا يكون من خلال صون الهوية الوطنية للدولة الأردنية وحمايتها من أي اختراق أو غزو, ووقاية أصالتها من أي مخاطر سياسية اجتماعية, بحيث تكون الهوية الوطنية هي الجامع المشترك لكل الأردنيين وحتى أن احتفظ البعض بهويتهم الأصلية كهوية فرعية تقبلها الديمقراطية الأردنية ولكن شريطة أن لا تصبح الهوية الفرعية مدخلا للانفصال والتمرد .
 

صحيفة الراي
 

 

 

 

 

   
جميع الحقوق محفوظة © 2009 لمركز الثريا للدراسات , المواد المنشورة غير قابلة لإعادة النشر والتوزيع والصياغة