مركز الثريا للدراسات
  الرئيسية من نحن فريق العمل الأعضاء مجلة الثريا مذكرة التفاهم معرض الصور اتصل بنا  
 
   البرامج
   الدراسات
   المشاريع
   التدريب
   الاستشارات
   المؤتمرات
   الشركاء
   الثريا في الاعلام
   مقالات المدير العام
 
   مقالات المدير العام   -   القوى الوطنية المعارضة : أزمة في الوعي أم في الخطاب

القوى الوطنية المعارضة : أزمة في الوعي أم في الخطاب 

حين تتكرر الأخطاء السياسية والتاريخية ، وتتشابه الأهداف وتتلاقى مع توجهات وأهداف العدو سواء عن قصد أو غير قصد، فان ذلك يظهر جليا أن هناك أزمة في الوعي السياسي ليست على مستوى الوطن وحسب ، وإنما على مستوى القوى الوطنية المعارضة ، ويظهر أن هناك لحظة انقطاع تاريخي حاد ، بين قيادات ، وقضاياه الوطن والأمة ، فالانقطاع يفصل بين الوعي السياسي القائم على العلم والمعرفة السياسية، والقدرة على قراءة الأحداث قراءة سياسية ، ضمن أطر استراتيجية محددة في بوصلة سياسية واقعية ، وبين الوعي السياسي القائم على الشعارات والبيانات البعيدة كل البعد عن الواقع السياسي بمعطياته القائمة. ويبدو أن الأحداث السياسية الدامية الجارية على ارض فلسطين وصمود الشعب الفلسطيني من جهة وردة فعل الشارع العربي والذي قادته الأحزاب والقوى المعارضة من جهة أخرى، أفرزت قضية شائكة بدأت تظهر على السطح ، وتضع نفسها أمام المحليين السياسيين ، وهي مدى وعي القيادات الحزبية بحقيقة الصراع الدائر على ارض فلسطين ، ومدى تشابك وتداخل الأحداث السياسية ، واختلاف ميزان القوة العالمي وغياب التضامن العربي ، وفقدان أي بدائل عسكرية ، للدخول على خط الصراع ، بعد أن اغلق تماما ملف الحروب من اجندة الحكومات العربية ، والاستعانة عنه بملف الفضائيات العربية والتي حولت ملف الصراع من صراع عربي - إسرائيلي إلى صراع عربي - عربي .

    ولنا أن نلاحظ من وجهة نظر المحلل والمراقب للأحداث الجارية على الساحة الأردنية ، خلال الأيام الماضية ، لحظة الانقطاع السياسي الهام بين الوعي بالواقع السياسي والذي يتشكل من الماضي والحاضر، من إفرازات مرحلة تاريخية ، من مصادر سياسية ذات صبغة علمية وتاريخية وواقعية، وبين الوعي السياسي المثالي الذي لا زال حبيس عقول الكثيرين، بعد أن أفرغت الثقافة السياسية القائمة على الشعارات والأحلام ، والبيانات وصكوك غفران ، وروشيتات الوطنية والخيانة ما في مضمونها بعقول الكثيرين ، وبالتالي تحولت إلى قوى سياسية تقدم أحلاما وليس أفكارا ، مثالية وليس واقعية ، كلاما وليس أفعالا ، أيديولوجيات جامدة وليس علما منهجيا.

     إن المتابع لبعض الشعارات السياسية، والبيانات التي ظهرت خلال مسيرات التضامن الأردني مع الأشقاء الفلسطينيين، يلاحظ مدى قساوة هذه الشعارات وخروجها عن أي التزام وطني مسؤول بعد أن أفرغت من مضامينها الوطنية الوحدوية، واستبدالها بالشعارات الإقليمية الضيقة والتي تهدد أمن الوطن ووحدته مما أثارت من جديد السؤال الذي نحاول دوما صياغته أو على الأقل محاولة صياغة بعضا من جوانبه وأبعاده والمتمثل بمدى وعي القوى المعارضة الأردنية والتي تقود المعارضة الوطنية بحقيقة الصراع العربي الإسرائيلي ، وما طرأ عليه من تحولات وتطورات كانت كفيلة بفرض واقع سياسي جديد ، مختلفا عن الواقع السياسي الذي كان سائدا منذ عدة سنوات ، واقع سياسي مستندا أساسا على تشرذم الدول العربية والإسلامية ، وغياب الاجندات العربية الوطنية ، واقع افرز صراعات عربية عربية ، واقع سياسي يفرض نفسه علينا بكل لحظة ، لان عدونا يتقدم ونحن نتأخر ، عدونا يتوحد ونحن نتناحر ، عدونا يعرفنا ونحن لا نعرفه ولا نعرف أنفسنا، عدونا لا يحاربنا بنقاط قوته وإنما بنقاط ضعفنا، وقلة وعينا ، وغياب ثقافتنا ومعرفتنا به وبواقعنا المعاش ، وإلا كيف يمكن تفسير انتصاراتهم المستمرة وهزائمنا المتلاحقة …؟ .

   إن تمسك بعض القيادات السياسية المعارضة للدولة الأردنية بالشعارات والبيانات اللاواقعية وبنفس الخطاب السياسي الذي كان سائدا منذ زمان طويل، وعجزها عن خلق خطاب سياسي وطني ، يصب في مصلحة الأردن أولا وأخيرا ، والذي بلا شك يحقق مصلحة فلسطين، خطاب واقعي يتخذ خطوات إجرائية على الأرض لدعم الصمود الفلسطيني ، بعيدا عن الكلام الثوري وبعض التصرفات التي لا يهدف منها إلا جر الأردن إلى طريق خطير يعطي المبررات الكافية لإسرائيل بتحقيق حلمها بإقامة الوطن البديل ، خطاب ينطلق من المعرفة الحقيقية بالأردن الدولة وإمكانياته وظروفه وقدرته على الحراك السياسي والميداني ، وظروفه الديمغرافية ، ومدى استعداد المحيط العربي بمساعدته في حالة حدوث أي ردة فعل سياسي .

    إن أي خطاب أو توجه سياسي لا يأخذ من الحفاظ على الأردن وهويته وسيادته هدفا له ، هو بلا شك خطاب إسرائيلي ، ولكن بصوت عربي ، لأنه يعبر عن أهداف إسرائيلية بتحقيق حلمها القديم الجديد ، بتفريغ فلسطين من أهلها ، وسلب الأردن من أهله ، لذلك نحن بحاجة ماسة جدا لخطاب سياسي وطني تتبناه المعارضة إلى جانب الحكومة يحافظ على الأردن بوحدته وسيادته ، ويساند الأشقاء الفلسطينيين بصمودهم . إن استمرار المعارضة السياسية باستخدام لغة الخطاب السياسي اللاواقعي ،الخطاب الذي يركز على اثارة المواطن ومخاطبة عواطفه فقط ،وليس الخطاب الذي يوسع مداركه ويعمق وعيه السياسي ويجسد الانتماء الوطني لديه ، هو خطاب بحاجة إلى إعادة صياغة من جديد ، لأنه خطاب يفرق ولا يوحد ، يخرب ولا يبني. فإذا كان الخطاب السياسي لعدد من القوى المعارضة يعكس وعي قيادتها السياسي وقدرتها على قراءة الأحداث قراءة سياسية ، فان ذلك يشكل انتكاسة حقيقية للمواطن الأردني،والذي ينظر إلى القوى السياسية باعتبارها تشكل أحد أهم النخب الوطنية السياسية والتي يفترض بها أن تشكل مؤسسات وطنية تقوم بدورا هام في إيجاد تنشئة سياسية وطنية ، تلتف حول الوطن بمفهومه الشامل ، تختلف فيما بينها ، ولكن عندما تكون هناك أخطار تحيط بالوطن تتوحد مع الأجهزة الرسمية على هدف واحد ، وهو مصلحة الوطن أولا وأخيرا .

    أما إذا كان الخطاب السياسي للمعارضة لا يعكس وعيها السياسي ومعرفتها بحقيقة ما يجري، وهذا الخطاب مجرد خطاب استهلاكي، فان ذلك يشكل أيضا حالة فيها نوعا من غياب المصداقية الوطنية مع الشارع ، وفيها كذلك استراتيجية منفعية تهدف من ورائها لتحقيق مأرب انتخابية شخصية ، حتى وان كان الثمن لذلك الوطن ووحدته. إن ما واكب الأحداث الأخيرة على الساحة الأردنية من مظاهر ومسيرات واعتداء على رجال الأمن ، لا شك سوف يفرز واقعا جديدا ليس على مستوى الحكومة فقط، وإنما على مستوى المعارضة والمواطن معا، وسنعيد قراءة الواقع السياسي الأردني من جديد ، وبنفس الوقت سوف يسهم في إيجاد إجابات للعديد من الأسئلة التي كانت دوما تضع نفسها أمام المواطن الأردني ، أهمها معرفتنا بالأسباب الحقيقية لعزوف المواطن الأردني عن الانضمام لتلك التنظيمات السياسية، بالإضافة إلى معرفته بحقيقة الاجندات السياسية لتلك التنظيمات والتي لا يشكل الأردن بالنسبة لها أي أولوية .
  
 صحيفة الراي

 

   
جميع الحقوق محفوظة © 2009 لمركز الثريا للدراسات , المواد المنشورة غير قابلة لإعادة النشر والتوزيع والصياغة