مركز الثريا للدراسات
  الرئيسية من نحن فريق العمل الأعضاء مجلة الثريا مذكرة التفاهم معرض الصور اتصل بنا  
 
   البرامج
   الدراسات
   المشاريع
   التدريب
   الاستشارات
   المؤتمرات
   الشركاء
   الثريا في الاعلام
   مقالات المدير العام
 
   مقالات المدير العام   -   الفقر …… والحلقة المفرغة

الفقر …… والحلقة المفرغة 

     يبدو أن إشكالية الفقر لا زالت تفرض نفسها على أجندات المؤسسات التنموية،و تضع نفسها على قائمة أولوياتها، و تبقى الهاجس الذي يراودها، والحاضرة دوما في ثقافتها و فكرها، وقد اشغلت على مدار السنين الكثير من الباحثين والمؤسسات على حد سواء، بالبحث في دراسة هذه الإشكالية وإيجاد الحلول الشافية لها، سواء كانت حلول نظرية أو عملية. ورغم ذلك فان هذه الإشكالية لا زالت تفرض نفسها بشكل متزايد كتحديا تنمويا وطنيا يواجه كافة مؤسسات الدولة وتفرض نفسها كالثابت الوحيد في الخطط التنموية الموضوعة، وتأخذ مكان الصدارة في الخطاب الرسمي و الشعبي انطلاقا من القناعة الراسخة لدى الدولة في كافة مؤسساتها، بأن الفقر يمثل إشكالية وطنية يستوجب من الجميع العمل في بوتقة واحدة كونها تهدد الاستقرار الاجتماعي و السياسي في المجتمع .

    أن المتابع للجهود الكبيرة التي بذلتها المؤسسات الوطنية خلال السنوات الماضية في محاولتها بايجاد الطرق المناسبة للتعامل مع هذه الإشكالية التنموية، وإيجاد الحلول المناسبة لها، يلاحظ حجم هذه الجهود المؤسسية والمادية التي بذلت، إلا أنها لازالت غير قادرة على إيجاد الحلول المناسبة، أو على الأقل التخفيف من هذه الآفة الاجتماعية، بل العكس هناك من يشير إلى أنها أصبحت تشكل ثقافة خاصة وسلوك متبع تتجسد في الممارسات المجتمعية للعديد من الفقراء وشكلت طبقة اجتماعية تحكمها قيم وسلوك وممارسات ونمط حياة، قد يخلق واقعا اجتماعيا جديدا.وتفرز إفرازات اجتماعية وسياسية جديدة تمثل تهديدا حقيقيا على الأمن الاجتماعي للمجتمع.

     أن الجهود التنموية التي بذلت على مدار السنوات في محاولاتها المستمرة للتخفيف من حدة الفقر في المجتمع الأردني كثيرة، إلا أنها لا زالت عاجزة عن تقديم فكر تنموي متكامل، يسهم مساهمة حقيقية وواقعية في القضاء على هذه الآفة الاجتماعية والاقتصادية، وهذا العجز المستمر قد يعود إلى غياب امتلاك تلك الجهود لرؤية تنموية وطنية، تقوم على الفهم الدقيق والعميق للبيئة الاجتماعية للفقر، سواء من حيث العوامل المحيطة، والمؤثرة به أو من حيث دراسة الفقراء أنفسهم، بالإضافة إلى غياب النظرة الشمولية للفقر وعدم القدرة على إمكانية تجريد البيئة وتحليل عناصرها سواء كانت عناصر ضعف أو قوة، ومن ثم العمل على توظيفها توظيفا تنمويا يسهم في إيجاد بيئة مناسبة لخلق واقع جديد للفقراء .

   أن الخلل قد يكون في المنهجيات التنموية التي استخدمت على مدار السنوات الماضية في بحثها الجاد في إشكالية الفقر، و التي عززت هذه الحلقة المفرغة الضائعة في معالجة هذه الإشكالية، الحلقة التي تمثل النظرة الشمولية للفقر، حيث انطلقت معظم هذه المنهجيات من نظرة أحادية الجانب، بمعنى أنها لم تركز على تشخيص إشكالية الفقر من وجهة نظر شمولية وتكاملية، والبحث عن الحلول التنموية إليها، بل أن معظم الحلول كانت تركز على تلبية احتياجات الفقراء من الخارج، والعمل على توفير الاحتياجات بشكل آني واعتيادي، دون الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الاحتياجات متغيرة ومتزايدة، بالإضافة إلى أنها في الكثير من الأحيان تتعامل مع الفقراء على انهم هم سبب للمشكلة ولم تتعامل معهم على اساس انهم الحل الأمثل للمشكلة، فالحل من خلالهم ومن الإيمان المطلق بقدرتهم على التعامل مع كافة المخاطر والاحتمالات التي قد تواجههم وان تمكينهم والعمل معهم قد تكون مدخلا ومخرجا للمشكلة التي تواجههم .

    أن إيجاد النهج التنموي القائم على دمج الفقير في العملية التنموية لمجتمعه، والتعامل معه على انه المحرك الحقيقي للمسيرة التنموية، وأنه ليس مجرد أرقام إحصائية نضعها في التقارير السنوية، هو بلا شك المفتاح الحقيقي لمواجهة هذه الإشكالية. من هنا تأتي أهمية الحاجة لمنهجية تنموية تشاركيه، تملك النظرة الشمولية لإشكالية الفقر، يكون الفقراء ومؤسساتهم هم المخططين والمنفذين لها، باعتبار أن التخطيط التنموي الفعال يبدأ من القاعدة وان تكون الفئة المستهدفة بالمشروعات التنموية جزءا من التخطيط والتنفيذ وهذا النهج التشاركي قد يساعد أيضا على غرس قيم العمل والإنجاز والانتماء والمسؤولية الاجتماعية والسياسية اتجاه أنفسهم ومجتمعهم، باعتباره إطارا تنمويا شموليا يسعى للقضاء التدريجي على الفقر اعتمادا على البيئة المحيطة للفقراء، والعمل على إمكانية توظيفها توظيفا تنمويا مؤسسيا، من خلال تمكين الفقراء وتوظيف كافة العناصر الموجودة في بيئتهم سواء الاجتماعية أو الاقتصادية، بهدف الاستفادة منها والعمل على خلق ثقافة جديدة وفكر تنموي قائم على إيجاد الحلول الدائمة للفقر، انطلاقا من اهمية استخدام كافة الموارد البشرية والبيئية، بطريقة فاعلة على المدى القريب والبعيد دون المساس بحقوق الآخرين، مع الأخذ بعين الاعتبار بعض المخاطر التي يمكن التعرض لها .

    أن النهج التنموي المرتكز على الفقير نفسه سوف يسهم في إيجاد الحلقة المفرغة في التعامل مع إشكالية الفقر، ويمكن له أن يشكل تحولا تنمويا جذريا في المسيرة التنموية للمجتمع، والتي تهدف إلى إيجاد مستوى اجتماعي واقتصادي أفضل للمواطن من خلال قدرتها على تعزيز الاعتماد على الذات واستثمار كافة عناصر القوة في البيئة المحيطة، وبالتالي خلق فكر تنموي قائم على المحاكاة التنموية بين الفقير وبيئته، وهذا يخلق تحديا كبيرا للفقير يدفعه إلى تطوير قدراته في كيفية الاستفادة من بيئته المحلية .
 

 صحيفة الراي

 

   
جميع الحقوق محفوظة © 2009 لمركز الثريا للدراسات , المواد المنشورة غير قابلة لإعادة النشر والتوزيع والصياغة